Skip to main content

من تواضع لله رفعه أيها المصاب بجنون العظمة

آيتان كنزان من تحت عرش الرحمن، وصى بهما الإنسان، إن تفكر بهما قصر اللسان وتواضع لخالقه وللأعيان.

قال الرحمن: (ولا تمشِ في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختالٍ فخورٍ)، كما قال: (ولا تمشِ في الأرض مرحاً إنك لن تخرِق الأرضَ ولن تبلغَ الجبالَ طولاً)، في أمر صريح بالتواضع ونبذ الفخر والخيلاء، فلا يجوز للإنسان أن يرى نفسه على غير حقيقتها وعلى أعز مما هي عليه في الواقع، كما لا يجوز أن يعدد مناقبه كِبَراً، فذلك من أخلاق الجاهلية، ومن يقترف ذلك فهو كما ورد في رواية مسلم: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه وأغيظه عليه).

قد يحاججك ذلك المختال عندما تتلو عليه هذه الكنوز بكنز رحماني آخر جاء في قوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث)، وسيحاججك، حينها قل له: إن غاية التحدث بالنِعَم هي شكر الله، والنعمة شكرها يكون بثلاثة: الاعتراف بها باطناً والإقرار بأنها من فضل الله، والتحدث بها وبفضل الله ظاهراً، وصرفها في مصارف ترضي المتفضل بها والاستعانة بها على طاعته.

قل له أن من يشكر نعم الله بغير تلك الثلاثة ومن يرتدي قناع الزيف ويتقمص دوراً ليس دوره، فإنما هو سالك لطريق الضلال ليواري سوءاته. قل له أنه مصاب بداء العظمة وأن لا عظمة إلا لله وحده إن نسي هذه الحقيقة.

وبالحديث عن الحقائق، فالحقيقة أن المصابين بداء العظمة كثر، منهم من يعلم ومنهم لا يعلم، منهم من يشعر بالعظمة لتفوقه في حياته أو أي من مجالاتها معتقداً بأن أحداً لن يضاهيه في هذا التفوق، ومنهم من لم يعرف طعم النجاح قط، فوسوس له جنونه اصطناع القيمة لنفسه في بحور خيالاته، وراح يبحث عنها في أعين من حوله بزيف ادعاءاته وبِضَعَته.

هؤلاء المرضى من الصنفين يبالغون بوصف ومديح أنفسهم بما ليس فيهم أو لديهم، فيدّعون امتلاك كل شيء؛ امتلاك الأموال الطائلة، والمعارف العلمية والعملية المتقدمة، والقدرات والمواهب الخارقة، والعلاقات المهمة، والمغامرات الاستثنائية، والأخلاق العالية، والإنجازات العظيمة، والبطولات التاريخية، والمواقف المشرفة، وحس الفكاهة الكبير، والمزاج الإيجابي، والتأثير الفوري بالآخرين، غير مدركين لمعاناتهم الشديدة من مرض عقلي ونفسي صرف يدفعهم دون مبرر لكثرة الكلام، وإطالة الحديث والتشعب والقفز به، كما يدفعهم للكذب على الآخرين لأسباب وراثية أو أسرية أو نفسية أفقدتهم هويتهم.

هؤلاء المرضى بداء العظمة محترمون ادعاءً وضيعون حقيقةً، هم كالمهيب ومن بعده العقيد، يبدأون بداياتهما وسينتهون كما نهاياتهما كل في محيطه بسبب غطرستهم وتعجرفهم وكذبهم؛ الأول نصب نفسه فارس الأمة العربية وسيف العرب والقائد المجاهد الذي امتدح حتى قيل فيه: (تبارك وجهك القدسي فينا كوجه الله ينضح بالجلال)، والثاني نصب نفسه أمين القومية العربية والمفكر الأوحد والثائر العظيم والمنظر الكبير وعميد حكام العرب وإمام المسلمين وملك ملوك أفريقيا، ولا ذاك كان فارساً ولا الآخر كان أميناً، كلاهما تفوق بالطغيان والتجبر من بعد الخيلاء والتكبر.

إن كنت ممن يعانون من أحد من هؤلاء المرضى في حياتهم، فقل له أن لا مَلِك إلا الله، وأن من تواضع لله رفعه، وأن لا مجد للرجل سوى مجد واحد حقيقي هو التواضع، وأن قيمة الإنسان في ضميره، فحري به أن لا يبحث عنها في أعين الناس. قل له إذا ارتاح الضمير ارتفع المقام، وإذا عرفت نفسك لا يضرك ما قيل فيك، قل له: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، و(اخفض جناحك)، و(الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم).

Comments

Popular posts from this blog

119 كلمة تختزل الشارع الأردني

اللهجة هي لغة الإنسان المحكية التي جُبِل عليها فاعتادها، والتي تنتمي المفردات فيها لبيئة جغرافية أو اجتماعية محددة، فتميز أهلها، وهي تعبر عن تفاصيل وأحوال الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. على الرغم من ثبات اللهجة، إلا أن مفرداتها التي لا يمكن إسقاطها أو إنكارها، قد تتبدل وتتغير من جيل إلى آخر حسب مستجدات الواقع المعاش وتأثير الزمان والبيئة المكانية والاجتماعية. وتتفرد اللهجة المحلية في الأردن بالكثير من الكلمات والمفردات والتعبيرات والتراكيب التي يتم تداولها في الشارع والمنزل والعمل وبين الأصدقاء والمعارف، وذلك على الرغم من الاشتراك في العديد منها مع لهجات الدول القريبة حدودياً. تالياً أهم 119 كلمة تختزل الشارع الأردني وتعبر عن واقعه: 1.     نشمي/ة: صفة تطلق على من به من الصفات الحميدة الكثير، وتتمثل فيه قيم الشهامة والشجاعة والإقدام وعمل الخير وغيرها. تكاد تكون حكراً على الأردنيين من الذكور والإناث.   2.     هلا عمي: مرادف لرد التحية أو رد الشكر. 3.      لغة الدواوين: اللغة المتداولة بين الشباب من الجنسين، ...

عباءة الخال أو العم تراث بلا مجد

بالرغم من التحولات الكبيرة التي طرأت على حفلات الأعراس والتي فرضتها الرغبة بمواكبة الحداثة، ما زال الكثير من الناس يصرون على المحافظة على روح الموروث الشعبي في أعراسهم عبر اتباع بعض العادات والتقاليد القديمة، وهذا أمر جيد لا يعترض عليه أحد، لكن ما يجب الاعتراض عليه هو مجموعة العادات والتقاليد المقيتة في مضمونها كعادة ارتداء العروس عباءة خالها أو عمها. لمن لا تعلم حقيقة وقصة عادة ارتداء عباءة (عباية/ عباة/ بشت) الخال أو العم، فبقراءة سريعة لها ستجد أنها مجد كاذب قصد به جلب منفعة للخال أو العم؛ ذلك أن موافقة الخال والعم كانت مطلوبة قديماً لمباركة الزواج، فيقوم أحدهما بإلباس العروس عباءته التي تعتبر من اللباس الكامل والأصيل والموروث عن الآباء والأجداد، كدليل على حرصه على تسليم العروس لعريسها برداء الوجاهة، وكإشارة منه لمكانة العروس وأهميتها، والتأكيد على رضاه عن ذلك الزواج، إلا أن السبب الحقيقي لهذه العادة مغاير تماماً. عباءة الخال أو العم كان هدفها التودد لهما بمبلغ مالي كي يأذنا للعروس بالذهاب مع عريسها. يقال أن الخال أو العم كانا في الغالب يتنازلان عن مطلبهما المالي، إلا أن ا...

ليس لأحد حب أعظم من هذا الحب

هو كالأسرار الإلهية، أعصى من أن يدرك، وأسمى من أن يُحد مداه، يبدأ دون استئذان ولا شرط، يشعل في النفس حرارة الروح السلام التي لا يهبها سوى خالق الروح، يحيي القلوب، ويسمعها كل ألحان الوداد، فتورق أملاً وتصفو. هو كأشعة الشمس الجريئة بنوره الساطع الذي يشع حياة وصفاء، لا تحجبه غيوم، ولا يمنعه مانع من اختراق أغوار الوجود وتحريك الأعماق، هو الحب النقي نقاء السماء، الندي كالسحاب، السخي كحبات المطر يروي الظمأ ويسقي القلب والروح غيثاً غدقاً بلا توقف ولا ملل. هو الذي تصغر أمامه الدنيا بما فيها، هو الكيان، ومستودع الحنان، هو الذي لا يعرف طريقاً للفناء، ولا درباً للإيذاء. هو الحب الذي يجمع الكيمياء والأحياء والتاريخ والفلسفة، هو الحب الذي يمنح عصارة ومذاق الألفة والمودة العالية، هو الحب الذي يسقي بساتين الحواس. هو الحب بريء الذمة، هو تلك المسحة على الرأس، وتلك القبلة من هنا والأخرى من هناك، هو ذلك العناق الذي يأتيك بسبب وبغير سبب، هو نثريات الحنان والكلمات الطيبات التي يبعثرها حنين الاشتياق من فؤاد صغير شقي سيظل طفلاً في الثانية من عمره في عيني مهما بلغ، هو ذلك "الليث" ا...