Skip to main content

نفر من الموت وفي الموت نقع

الموت أقسى فجيعة يمكن أن يواجهها الإنسان، هذا ما يعتقده الكثيرون.

في الأمس القريب، كان خبر موت قريب أو صديق ينزل على المتلقين كالصاعقة، حينها كنا نرى الوجوه على الفور واجمة، والعيون دامعة، والقلوب باكية بحرقة وأسى على المتوفى.

اليوم، مع مرور الأيام وكر الأعوام بما فيها من خير وشر وفرح وترح، أصبح الناس يتلقون خبر الموت ببرود كبرود الثلج، أصبحنا لا نرى في بيوت العزاء إلا وجوهاً متقنعة بالحزن ونداء الموت يقرع المسامع، وأخرى قافرة مجردة من التعبيرات، وغيرها باكية على نفسها. هي الغرق في متاهات الغفلة، أو كثرة الفقد وتعب الأرواح وإنهاك القلوب، أو أنها الطبيعة البشرية الأنانية التي تجعل من المعزي بكّاء على موتاه الأقربين، تعددت الأسباب والنتيجة واحدة؛ يتوفى المتوفى ولا بواكي له.

إن الفجيعة الأشد قسوة في الحياة، أن تتداخل غرف القلوب، وتصبح أراضٍ طالتها يد الفوضى والتيه، أن تصبح أراضٍ بوار لا زرع فيها ولا حصاد، مجللة بالآلام والأحزان، أن تصبح أراضٍ لضلالات الروح والنفس الإنسانية. إن الفجيعة الأشد قسوة في الحياة، أن يسيطر الشعور بالحاجة لمنعطفات قاسية ومآزق وجودية ومفارقات أليمة تكون بداية الصحوة وعودة الروح والإحساس ودبيب النبض والحياة بعد التوقف والانقطاع.

لأن الموت هو الحقيقة المطلقة الوحيدة في الحياة، ولأن الموت هو الوجهة الأخيرة الوحيدة في الحياة، فمن الأفضل أن يكون هذا الموت المادي رغم تكراره السخيف نافذتنا للحقيقة ولسماوات الأبدية، من الأفضل أن يكون رغم سواده نافذتنا للحياة وللفرح، من الأفضل أن يكون نافذتنا للحب وللاشتياق وللحنين. إن لم يصبح الموت كذلك، فسنظل أقل استعداداً للموت الذي يحدث فينا كل لحظة كوننا نموت كما يقال بطريقة الأجزاء أدبياً ومعنوياً ومادياً، وسنظل أكثر رفضاً للدواء والشفاء، وأقل طاقةً على احتمال الحياة ومنحها كون الموت يمسها.

Comments

Popular posts from this blog

119 كلمة تختزل الشارع الأردني

اللهجة هي لغة الإنسان المحكية التي جُبِل عليها فاعتادها، والتي تنتمي المفردات فيها لبيئة جغرافية أو اجتماعية محددة، فتميز أهلها، وهي تعبر عن تفاصيل وأحوال الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. على الرغم من ثبات اللهجة، إلا أن مفرداتها التي لا يمكن إسقاطها أو إنكارها، قد تتبدل وتتغير من جيل إلى آخر حسب مستجدات الواقع المعاش وتأثير الزمان والبيئة المكانية والاجتماعية. وتتفرد اللهجة المحلية في الأردن بالكثير من الكلمات والمفردات والتعبيرات والتراكيب التي يتم تداولها في الشارع والمنزل والعمل وبين الأصدقاء والمعارف، وذلك على الرغم من الاشتراك في العديد منها مع لهجات الدول القريبة حدودياً. تالياً أهم 119 كلمة تختزل الشارع الأردني وتعبر عن واقعه: 1.     نشمي/ة: صفة تطلق على من به من الصفات الحميدة الكثير، وتتمثل فيه قيم الشهامة والشجاعة والإقدام وعمل الخير وغيرها. تكاد تكون حكراً على الأردنيين من الذكور والإناث.   2.     هلا عمي: مرادف لرد التحية أو رد الشكر. 3.      لغة الدواوين: اللغة المتداولة بين الشباب من الجنسين، ...

عباءة الخال أو العم تراث بلا مجد

بالرغم من التحولات الكبيرة التي طرأت على حفلات الأعراس والتي فرضتها الرغبة بمواكبة الحداثة، ما زال الكثير من الناس يصرون على المحافظة على روح الموروث الشعبي في أعراسهم عبر اتباع بعض العادات والتقاليد القديمة، وهذا أمر جيد لا يعترض عليه أحد، لكن ما يجب الاعتراض عليه هو مجموعة العادات والتقاليد المقيتة في مضمونها كعادة ارتداء العروس عباءة خالها أو عمها. لمن لا تعلم حقيقة وقصة عادة ارتداء عباءة (عباية/ عباة/ بشت) الخال أو العم، فبقراءة سريعة لها ستجد أنها مجد كاذب قصد به جلب منفعة للخال أو العم؛ ذلك أن موافقة الخال والعم كانت مطلوبة قديماً لمباركة الزواج، فيقوم أحدهما بإلباس العروس عباءته التي تعتبر من اللباس الكامل والأصيل والموروث عن الآباء والأجداد، كدليل على حرصه على تسليم العروس لعريسها برداء الوجاهة، وكإشارة منه لمكانة العروس وأهميتها، والتأكيد على رضاه عن ذلك الزواج، إلا أن السبب الحقيقي لهذه العادة مغاير تماماً. عباءة الخال أو العم كان هدفها التودد لهما بمبلغ مالي كي يأذنا للعروس بالذهاب مع عريسها. يقال أن الخال أو العم كانا في الغالب يتنازلان عن مطلبهما المالي، إلا أن ا...

ليس لأحد حب أعظم من هذا الحب

هو كالأسرار الإلهية، أعصى من أن يدرك، وأسمى من أن يُحد مداه، يبدأ دون استئذان ولا شرط، يشعل في النفس حرارة الروح السلام التي لا يهبها سوى خالق الروح، يحيي القلوب، ويسمعها كل ألحان الوداد، فتورق أملاً وتصفو. هو كأشعة الشمس الجريئة بنوره الساطع الذي يشع حياة وصفاء، لا تحجبه غيوم، ولا يمنعه مانع من اختراق أغوار الوجود وتحريك الأعماق، هو الحب النقي نقاء السماء، الندي كالسحاب، السخي كحبات المطر يروي الظمأ ويسقي القلب والروح غيثاً غدقاً بلا توقف ولا ملل. هو الذي تصغر أمامه الدنيا بما فيها، هو الكيان، ومستودع الحنان، هو الذي لا يعرف طريقاً للفناء، ولا درباً للإيذاء. هو الحب الذي يجمع الكيمياء والأحياء والتاريخ والفلسفة، هو الحب الذي يمنح عصارة ومذاق الألفة والمودة العالية، هو الحب الذي يسقي بساتين الحواس. هو الحب بريء الذمة، هو تلك المسحة على الرأس، وتلك القبلة من هنا والأخرى من هناك، هو ذلك العناق الذي يأتيك بسبب وبغير سبب، هو نثريات الحنان والكلمات الطيبات التي يبعثرها حنين الاشتياق من فؤاد صغير شقي سيظل طفلاً في الثانية من عمره في عيني مهما بلغ، هو ذلك "الليث" ا...